أبو نصر الفارابي
163
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
والتباين والتنافر يكون بهذا ، فرأوا لذلك ابطالها كلها . وقوم رأوا ذلك في الشهوة والغضب وما جانسهما ، وان الفضيلة والكمال ابطالهما « 1 » وقوم رأوا ذلك في عوارض غير هذه ، مثل الغيرة والشح وأشباههما ؛ ولذلك رأى قوم أن الذي يفيد الوجود الطبيعي غير الذي يفيد الوجود الذي لهما الآن ؛ ثم إن السبب الذي عنه وجدت الشهوة والغضب وسائر عوارض النفس ، مضاد للذي أفاد الجزء الناطق . فجعل بعضهم أسباب ذلك تضاد الفاعلين ، مثل أنبدقليس . وبعضهم جعل سبب ذلك تضاد المواد ، مثل فرمانيدس في آرائه الظاهرة ، وغيره من الطبيعيين « 2 » . وغير هذه الآراء ، يتفرع ما يحكى عن كثير من القدماء : « مت بالإرادة تحي بالطبيعة » . فإنهم يرون أن الموت موتان : موت طبيعي وموت إرادي . ويعنون بالموت الإرادي ابطال عوارض النفس من الشهوة والغضب ؛ وبالموت الطبيعي مفارقة النفس الجسد . ويعنون بالحياة الطبيعية الكمال والسعادة . وهذا على رأي من رأى أن عوارض النفس من الشهوة والغضب قسر في الانسان . والتي ذكرناها من آراء القدماء فاسدة ، تفرعت منها آراء انبثت منها ملل في كثير من المدن الضالة .
--> ( 1 ) تنال السعادة بإماتة عوارض النفس من شهوة وغضب . ( 2 ) رأي أنبدقليس ورأي برمنيدس فاسدان . أنبدقليس ( 490 - 430 ق م ) فيلسوف يوناني قال بمبادىء أربعة للعالم هي الماء والهواء والنار والتراب وأنها تجتمع وتفترق بفعل قوتين هما المحبة والكراهية فتتكون الأجسام وتفسد . أما برمنيدس ( 540 - ؟ ق م ) فهو فيلسوف يوناني عرف بقوله بوحدة الوجود وعدم التكثر .